السيد كمال الحيدري

88

فلسفة صدر المتالهين (قراءة في مرتكزات الحكمة المتعالية)

الفارابي كما يذهب لذلك الطباطبائي « 1 » ، ثمّ جاء بعده دور ابن سينا في مقامات العارفين من الإشارات ، لتنضج الفكرة أكثر على يد شيخ الإشراق السهروردي الذي أشرنا إلى المنهج الذي اتّبعه في مدرسته ، ثمّ ظهرت بعده في كلمات شمس الدين تركة والمحقّق الطوسي شارح الإشارات . لكنّ هذه المحاولات أخفقت بأجمعها في الرسو على مقولات أساسية لإنشاء منظومة فلسفية تكون قادرة على التوفيق ما بين المعارف القرآنية من جهة وبين القواعد العقلية والمكاشفات العرفانية من جهة أخرى ، وهذا لا يعني أنّها لم تحقّق نجاحاً في هذه المجالات ، وإنّما المقصود أنّها لم تحقّق القدر الأدنى لإنشاء مثل هذه المنظومة ، حتى انتهى الأمر إلى صدر المتألّهين الشيرازي ، فحاول القيام بهذه المهمّة التاريخية الجبّارة التي خرج منها مظفراً منتصراً بالمقارنة مع من سبقه . التوفيق بين القرآن والعرفان والبرهان من هنا يطرح هذا التساؤل الأساسي : ما معنى التوفيق بين القرآن والعرفان والبرهان ؟ أهو بمعنى التلفيق ما بين الأصول الفلسفية للمشّائين ، والقواعد التي ذكرها العرفاء في العرفان النظري ، والمباني التي أسّسها المتكلّمون في أبحاثهم الكلامية ، بحيث تنتهي الحصيلة إلى أن تكون الحكمة المتعالية هي مدرسة ملفّقة من هذه المدارس ؟ أم ليس الأمر كذلك بل إنّ تلك الفلسفات والمذاهب الفكرية هي بمنزلة العناصر والبنى الأساسية بالنسبة إلى الحكمة المتعالية ، بحيث فقدت العناصر المكوّنة لها صيغتها الخاصّة بها ، وامتزجت واتّحدت هنا في منظومة فلسفية مستقلّة

--> ( 1 ) مجموعة مقالات ، الطباطبائي ، مصدر سابق : ج 2 ، ص 6 .